
1
يشعلُ سيجارهُ الفاخر ، ينفثُ للأعلى ضبابه و يغوص في لا شيء ..!
السنينُ التي ارتسمت فوق جبينهِ ليستْ دعوةً عاجلة للموت ، وحدتهُ القاتلة أيضا لن يعدَّها المارقون عليهِ انتحارا بطيئا.
يتدحرج كل يومٍ من سقف ذاكرتهِ حين تحضر الممرضة وفي يدهاَ مطفئةً لسيجاره وحبةً لقتلِ ماضيه : عليكَ أن تتوقف عن معارضةِ الأنظمة بالدار ،، تمسكُهُ كما كومةِ لحم و تلقيهِ في غرفتهِ السجن . يتمددُ كـ لقيطٍ على الصوفا المتآكلة يشعرُ أنهُ جرذٌ منبوذ ، يتدلى حبلُ ذاكرته مجدداً و يرفعهُ للسقف..!
-بهدوء يا علي ..! عليكَ أن تمسكَ الزناد وتضغط وأنتَ مرتخٍ تماما
-يسهلُ عليكَ قولُ ذلكْ
-يا بني الأمر بسيط ،، الصيد كتدخين سيجار كوبي فاخر ،، يحتاجُ أن تفرغَ حواسكَ كلها له
-أخبرني..!
- تكلمنا بالموضوع قبلا..!
- لا أقبل بأن أكون مشاركا رمزيا بالأمر يا أبي
-منذ رحيلنا من إيران زاد فضولكَ و تضاعف عقوقك يا علي
-لستُ عاقا يا أبي أنا فقط أرفض أن أعزي رحيلنا من إيران إلى أن دراستي تتطلبُ ذلك، لا أريدُ أن أكون شماعة بائسة لـ تعليق أعذاركَ وأعذار أمي، على ذكرِ أمي إنها تبكي كل يومٍ بالحمامْ تحسبُ أنَّ صوتها لا يسافر إلى أذني، تحسبُ أني بلا أعين حتى أرى خيبتها ..!
-أنت حقا تعطي الموضوع حجما أكبر مما هو عليه
-هلْ ستقول أن زيارة النقيب جودتْ كانت مصادفةً أيضا ، لم يمر على خروجه من البيت -آه البيت- ثوانٍ حتى أطلقت صفير المغادرة، في اليوم التالي كنا هنا ، لم أرد حينها أن أجعل من سؤالي غصةً في حلقكْ ، مرتْ الآن سنتين يا أبي العزيز ولمْ أعدْ ساذجا لهذا الحد .عليكَ أن تخبرني..!
-لم ألحظْ أنّكَ تكبرُ بسرعة ، لم ألحظ أيضا أنكَ ثاقبُ البصيرة يا بني ، (ينحني رأسهُ في شرود) سوف أخبركَ أيها الرجل قريبا
عليكَ أن لا تستعجل
-متى ..متى؟؟
-سنبرمُ اتفاقا، عليكَ أن لا تسألني خلال الثلاث الشهور الآتية بالمقابل سوف أخبركَ حين تنقضي.
-صبرتُ سنتينِ طويلتين لن تكون الثلاثُ شهور الآتية أصعب مما مرْ
-ولدٌ طيب
يُفتحُ بابُ الغرفة السجن ، ويسقطُ السيد صفوت من سقفهِ القديم ، صوتُ الممرضةِ مرةً أخرى : هذا عشائك عليكَ أن تتناوله قبل العاشرة ، تعرفُ مسبقا أني سـ احمل الطبقَ حتى لو كان هذا عشائك المئة الذي لا تتناوله …!يغلقُ البابُ خلفها ، لا زال صوتها يطن في أذنه يمدُ يده للخبز، يقضمُ قضمةً أولى ـ ثانية و ثالثة ..يتدلى الحبل مجددا ويمدُّ يده
-صفوت يا عزيزي ساعدني علي على وشك الحضور والعشاء لم يجهز بعد
-ثريا يا ملاكي هوني عليكِ أنهُ ابنكِ منذ متى تعاملينه كضيف
-ليس ضيفا عاديا يا أبا علي إنه طفلي الواحد إنه فرحة عمرٍ بـ أكمله ، لمْ أكن موافقةً على رحلتهِ تلكَ إلى الغابة لكنهُ كان متحمسا ، نسيتُ تماما خوفي حينها و وافقتُ ، طفلي يكبر يا صفوت لم يعدْ عصفوري الصغير الذي أقفل عليه قفص صدري باحكام
-أتعلمين أراكِ وأشعر أني أراكِ كلَّ مرة لأول مرة ، أحمدُ الربَّ أنكِ هنا ، أحمدهُ أن صدركِ ملاذٌ لنا جميعا
-لا تأخذني في حديث شاغف فـ أضيع الآن بين شفتيكَ ، ساعدني يا صفوتْ ولندعْ هذا الحديثَ حين يحضرُ علي
-لا مناص من ذلكَ …! إذا حتى كلامي المعسول لا ينفع
ترتفع الضحكات ، أنوار البيت التي تتلألأ تغمسها موجةٌ دفئ
-صفوتْ ، الباب..!
-حسنا حسنا تأخرتَ ياعلي..! عفواً ظننتُ أنكَ ابني
-سيد صفوت خيراني ..؟
- أجلْ ..هل من خطب؟
- عليكَ أن تتمالكَ سيدي ،، وقع حادثٌ في الشارع ِ المجوار وكانَ ابنكَ أحدُ المصابين
- علي ابني صفوت ماذا يقول ؟ علي ابني مصاب؟
- اهدئي ثريا،، أين هو الآن؟
- في المستشفى الرئيسي ..! كُلِّفتُ باخباركم ، أتمنى أن يتعافى سريعاً
الضوء الكثيف الذي ثقب مقلتهْ ، جعلهُ يعودُ للصوفا المهترئة للغرفة السجن لصوت الممرضة : أخبرتُكَ أني سـ آخذه حتى وإن لم تأكل ، تمسكهُ من ياقةِ قميصه كمتشرد تدعُّهُ على السرير : نمْ..! الطنين يركضُ لأذنيه و الحبلُ مجددا ينقذه
-علي عليكَ أن تأكلَ جيدًا فـ أنت مصابٌ يا صغيري
-لا تقلقي ثريا إبنكِ قويٌ وصلب
-أتعلمُ أبي لم أرد أن أخلف وعدي
-لا تقلْ ذلكَ علي ،، أتعلمْ سوف تتزوج إيرانيةً جميلة ترزق بأطفال كثر سوف تشعرني بـ اني عجوزٌ فاشل ثمَّ حين يريد الله سـ اموتُ على كتفكَ وصدر ثريا
-لا تقل ذلكَ صفوت ، ليس الأمر ممتعا البتة
يغمض جفنيهِ أخيراً ويستسلمُ لـ النعاس..!
2
الزمنُ قنينةٌ من نسيانْ، لكنها لا تجدُ شفاهَ العجوزِ ولا حلقه،،،
هاهو اليومَ أيضًا يوقظُ الشمس باكراً، يحتسي وحدتهُ الطويلة و ينتظرُ سقفهُ القديمَ أن يوافيهِ على طاولةٍ بباحةِ الدار،
يتحسسُ فمهُ كأنهُ يمسكُ سيجاراً ، ويداعبُ الطاولة كـ أنها فنجان قهوة
- الفجرُ الذي يأخذكَ من سريرنا كلَّ يومْ ..!
-ثريا ألم تتجاوزي الأمر بعد؟
-ماذا؟ حبكَ للفجر أم غيرتي المفرطة
-كلاهما ، لا معنى له
-هذا الفجر الذي يأخذكَ كلَّ يوم ، اشبه بسرداب قلبكْ ، متى أبصرُ النور يا صفوت؟
-أكره هذه النبرة
-تركنا إيران ، تركتنا أحبائنا و أصدقائنا، تركنا الماضي ، تركنا السعادة، ماذا علينا أن نتركَ أيضا؟
-ثريا أنتِ تلومينني على كل شيءْ!
-من ألوم إذا، علي تركَ المنزلْ ويقيمُ مع رفاقهْ ، أنتَ مأخوذٌ بـ الفجر ، وأنا وحدي أتساءلُ عما قد يحدثْ وما دْ تسلبهُ الحياةُ مني في اية لحظة ، ألا تعي أننا بتنا مشردين ، لا يغرنكَّ هذا المنزل الريفي ولا تلكَ السيارة الجديدة التي تفَّاخرُ بها أمام رمزي والباقين ، أنت وحيد مثلي يا صفوت عليكَ أن تقرَّ بذلك .!
-علي سيعود أعدكِ بهذا
-أنتَ لا تسمعني حتى ، أحاولُ أن أُفيقكَ من عظمتكَ يا صفوتْ أنت الآن في لندن لست في طهران ، أنت تستنفذ ذاتكَ و تستنفذنا معكْ،،
يحملُ معطفهُ الممزق ويراقصُ ظلّهُ للغرفة ، الابتساماتُ توزعْ لعينيه وهوأشبه ببرميلٍ من حزن لا شيء يخترقه ،
-اسمع هذا يا علي ، أمكَ تخاف من الليل، تقسمُ لي أنهُ يتنفس، !
-كفَّ عن اختلاقاتكَ ،
-لا أختلق ذلكْ ،
-ألمْ تشتاق للبيت ياعلي، يا بني المنزلُ يضجُ بالضجر، عدْ أوقدْ الفرحَ بقلبي
-لن يدوم الأمر ، سوف تتعودان غيابي
-الهمُ يسكُنُ جسدي ياعلي ، وغيابكَ بحرٌ من بكاء ،
-لستُ مجبراً أن أكونَ مثاليا في كل شيء يا أمي، علمني أبي أن لا أهميةَ لذلكَ ، وأن الضعيف فقط من يتشبثُ بوعده..!
صوتُ الباب ، الممرضة: الدواء، الطنين مجدداً ، يبتلعٌ وحشتهُ و الحبة ، يستلقي .ويبيعُ رأسهُ للنوم..
3
جرس الهاتف يدق ، كقلبه الذي يدق ، لكنه ماعاد يدق ، كجرس الهاتف الذي ما عاد ليدق..!
الهاتف الذي لا زال بقلبه صوتٌ قديم ما يلبثُ أن يعاود خفقه، ولا أحد بالجوار يسمع الرنين.
وهأنت يا رفيقة الدرب تأتين كـ بشارة -ثرياَ – يا أغنية كفيفة تصعدُ فوهةَ رأسي وتستقر . الوقت يمر والهاتف لا زال يرن ، لما يقطعون لسانه..! سحقا لمن اخترع بيت العاجزين هذا، فلا عاجز منهم سيمد يده ليخنقَ الهاتف
ويدعه صريعا على طاولة الانتظار..!
تنزلق يده على شرشفٍ أصفر ، ويشده لأعلى وجهه ويبدأ السقف بالتراخي على جفنيه.!
-مالفرق الآن بينك وبين الاقطاعيين هناك ، أنت تحاول أن تبيع وتشتري كلَّ شيء ، لكنكَ تنسى هذا الظل في داخلك
- علي ، لم تكُ قط عنيفا اتجاهي ، كنت مثلكَ الأعلى
هذا المثل الذي يضمحلُّ ببطء ويجعل العار معطفا يكسو خيبتك ، علي يرى في عيوني انكساري ، ويستمتع بـ اذلالي ، هاأنت تكسر بيدك القدوة و تدع الحاجز الفضي الذي كنت تبنيه بينك وبينها ينهار ، ستذهب للبحر وترمي في صدره صراخك . تنتظره أن يكسر على قدمكَ موجه ، و يلعنكَ عتى تغيب في الرمل
-ذهب علي
-كان عليا ، تركَ ابني على الحائط معلقا ، ورحل مع خيبتي
-ماذا؟
- لاشيء يا ثريا ، سنعود لـ إيران
-ماذا؟ هكذا ببساطة
-هكذا ببساطة..!
الطريق للمطار ، صامتٌ كـ مدينةٍ أحرقتها نيران الحرب ، لازال في رأسي دووي علي ، لا زال في قلبي بكائكِ يتكاثر ،
نظرتُ للبيت هاهو الآن يأخذ جزءا مني ويبتلعه ، يصنع بينَ المجيء والذهاب هوةً لم يتسعها سواي ، لكنها تعلمُ أني أتلاشى
وتجاريني إلى أن أنتهي
- ألن نودع علي
- لن نرحل..!
وأعودُ للبيت كملكٍ مهزوم ، أعود و قد خانتني شجاعة الفارس ، أعودُ لأسقي الظل يا علي ، وأصبح إقطاعيا جشعا بلا قلب..!