1،2

أكتوبر 13, 2009 بواسطة iyos

 

 

 

ما أنا إلا أرض تتشوق
فانبعث أيها المطر ، أيها الصوت الوئيد ،
أيقظ ثمرة الضوء الدفينة

1-لطالما أرعبتها المرتفعات و الأماكن الشاهقة ، لكنها لم تجد في بحثها المضني عن شقة غير هذه التي أصبحت ملجأها , مرت سنتين دون أن تقترب ولو خطأً من الشرفة أو النافذة . حين وجدتها صفاء جالسة على طرف الشباك و قد أدلت رجلها اليمنى للشارع الذي يبعد مسافة ثلاث طوابق كما لو أن رهابها المزعوم قد انصهر – في يدها ديوان شعر و ظفيرة قديمة قد كانت منذ سبع سنوات تتدلى من رأسها- كاد قلبها يقفز من فرط الذعر. جلُّ ما استطاعته لحظتها هو أن تتسمر عند مدخل الغرفة كسارية تحول دون أن يسقط السقف فجأة ،فيما استدارت هي ناحيتها بهدوء و استقامت فجأة للنهوض وضعت الديوان على السرير و عبرت الباب مربتةً على كتفها تارة و على يدها أخرى . رائحة القهوة انتشرت بالشقة ،صديقتها التي ابتلعت صوتها اجترته من جديد و فاضت عليها بأنواع الشتائم و اللكمات الخفيفة .
- بينهما الأحاديث تسافر عبر العينين و المسام ، صاحبة النافذة فرشت على الطاولة بساط قلبها و اندثرت في نواح يغرق أخضر الأخرى وقد عمدت على تحريك رأسها مرارا كعلامة واضحة منها أنها تصغي تماما وأنها في هذا الجيلان الفائض لا تضيع حرفا أو حركة .
-في الصباح الآخر لم يفارق يدها هاتفها الخليوي ، كانت تركب الرقم الذي تنشده مع لحن موسيقي رائق خفيف ، يسهل عليها مع كل نوتة أن تنزلق بعدها مع صوت الرنين الذي يبدأ كجيش أوبرالي يطرق رأسها أكثر فأكثر.

2-وحدها تعاقر وحشة الوحدة و هي تعبر صورتكَ كل لحظة لتَزُمَّ رزنامة الشوق التي تنفجر في عينها كل لحظة ، أنت يا رجل السجائر و الألوان غربتها التي تجيدُها الآن على نحو ٍ مبتكر تمضي ساعات في محادثة صورتك تتحسس وجنتك و هي نصف شاردة في شريط الذكرى إذ يمر بشكل متواصل يزيد حدة هذا الصدع في رأسها الذي يصهره الصداع ، فمالشوق إن لم يكن على باب عينكَ رتاجُ يغلق دونه الصباح !
تراك تفيض على باب العشق قريرا فتكاد تنفطر ، ولا تملك جهدا مذ أن طلبتها بشكل صارم وحاد أن تجد
لهذا الشطط ملاذا آخر ، وهاهي لا تتقن البكاء إلا عليك و لا سبيل إليك غير ضحكات بائدة .

padam padam

أكتوبر 10, 2009 بواسطة iyos


- أعرني الآن صبرك وجلد يا أحمد، كلما خارت بي الأرجاء بكيت عليكَ و نعلت التراب الذي ضمك من سبع سنوات ، كان يجب أن تكون الآن معي أن نقوم معا بالأشياء السبعة الصعبة التي لم أجرؤ قبلا على التفكير فيها وحدي ،أنت الذي اتجنب ذكرك كثيرا خوفا من أن اسقطك غفلةً في قاع ما، يسميه الأحياء دركا آسنا و أسميه أنا فجوة . فأي فجوة تلك التي ابتلعتك و أحالتك سديما منضودا أشير إليه و أنا جذِلةُ العينان يحطني جص الأحلام الهرئة . حينما أفقت بالأمس على صوت edith وهي تردد padam padam سافر كل الشجب الذي أغرقت نفسي فيه من أيام وتذكرتك في غفلتي التامة و أنت تمد يدك لي وتشدني لصدرك فانسياب و من ثَمَّ تحرك أطرافي على إيقاع النغم الخفيف الذي اختزلناه بالضحكات والغناء.

-

أشعر بالخزي يا أحمد ، من غيركَ يقدر الآن على مسح هذا الصقيع من قلبي و جعليَ أهيم على وتر الكلمة! لما علي أن أواجه هذا الفيء وحدي بينما أنت ترقد قريرا يصحبك رهط من الملائكة إلى حيث تنتمي حقا

في مساء كهذا لا يباغتني سواك مع ابتسامة تشبه قاربا من الأمال البسيطة ، عقفٌ على المدار الشتوي آمالي ، أعُبّ من كوز الرضى ظمأ سنة كاملة و شهر من الاحتراق العارم . قدمي حمتلني للحديقة العامة لبهو المدرسة التي افترضنا سلفا أن ابننا سيعودها يوما وهو يمسك بيد بنت شقراء يتطاير بها الأفق فرحا ،كانت المدرسة الوحيدة التي تتكأ على حوض رمان زاه . الضجيج يقتل وحدتي الخانقة وأنا أستجدي عبر الهاتف شخصا غيركْ ، فيما نظري عُلق على غصن شجرة ذابلة. اصطدمت بجناح عصفوةٍ بيضاء خضبت وجهي العابس بقبلة فلملمت باقي الصوت الذي انحدر في يدي كالطنين و عدت للمنزل نصف فارغة.

-ماذا كنت لتقوله الآن لي لولا أنك خلف التبان تفيض سحرا من بعيد ؟
كنت ستقول ، ولا أشك أبدا فيما أظنك ستقوله أني عبثا أحاول اجتذاب انتباهك من العالم الآخر ، فكر فقط فيما يمكننا أن نقوله لو استطعت أن تشترك في خدمة اتصالات مجانية بين العالمين ، أو حساب انترنت جارٍ يحملك إلي في نوبات قلقي الجازعة

 

آسف، أنت تبحث عن شيء غير موجود!

أكتوبر 4, 2009 بواسطة iyos

 

 

ياالله: صباح الخير، ليست المرة الأولى التي أحاول فيها أن أرسل إليكَ خطابا أو دعاءً مباشرا و صريحا، أنت تعلم أني صرتُ أكثر ضبابية من الغيب الذي أخشاه و أن عاهة الخوف الكثير أمست لا تبرحني.هأنا من بعد أن عدت من القُبَّرة أفكر ولو عرضا أن في هذا السواد القمئ لربما يحفر الضوء إلى عتمتي سردابا يكفي أن يعبر منه قلبي أو عيناي فيما أترك هذا الجسد الثقيل في ظلمته يتعفن داخل جبة المرض و المشارط و العقاقير ، بقعةُ ضوء تكفي لأن لا أنصهر في هذا البرد و لا أضيع في غي الزمن والمكان . ما أريده منك تحديدا صعب لأن قانون الخلق جاء هكذا جازما وصريحا ، عليَّ أن أنتظر معجزة بحجم الوجود قادرة على جعل جارتي العابسة لطيفة و البواب الذي يأكل جسدي يغض طرفه و خيباتي التي تغرقني أن تخبو بلا رجعة ، معجزة تمسح ما كان وما سيكون ، وتزيح هذه الكتلة التي تحجب بصري أحيانا و تضيفني لقائمة العُمي السهارى . ما أريده ليس عظيما أو خارقا لما يكون عادةً أو يمكنه أن يصبح طبيعةَ ما أنا عليه فأنا وإن حاولت أن أجد في هذا السهل غاية سأظل على ذات النَّشد أصارع قلقي عاكفة على البحث الذي لا ينتهي عن مخلوقك النوراني بداخلي الذي يعرفني ولا أعرفه. وإن المتدبر في أمري ليجدنني على حالي هذه و قد نفذ صبري في رتق ما رثَّ في داخلي وكلي إيقان أن الطبيب النفسي الذي قد أقصده ساعة تنقضي آمالي في سد هذا الثقب وحدي ، سيقدم لي قارورة السم مجانا ويقترح نخبا أو يفتح نافذة مكتبه ويدعوني برفق شديد للطيران

بعيدٌ عنك الليل قريب إليك

اغسطس 9, 2009 بواسطة iyos

 

N

 ماذا نحب إلا ما يُكره
ماذا نرى إلا ما يَنطفئ
ماذا نحيا إلا ما يَموت!
و جهك الذي أبحث عنه
في قلاع الفجر
في اليوم الأول من البرد
ينمو مع الصور
مع فم الصباح

عمَّ نتحدث إن لم يكن الكلام نسقا هيوليا يسافر بالأجداث
ولمَن نسوق الأقداح إلا للماء اليعطش
أيها المساء اليتيم
أنا الحوت الوحيد المأخوذ بصنارتك
أنا الشاهد الأول على آخر فرحة تلقيها للشفق سكرى

أيتها النافذة الصحراء
أخيرا رأيتكِ ميتة
سكن هذا النور الذي يصرخ في وجهي
سُدت هاتان العينان ،
فيما يبكي ينبوع آخر
على ضوء الحقل الممزق
دهليةُ الصوت تنمو بدل الصور
ماالذي يمكن أن نحكيه للغائب
ميليشيا الكلام تقطر في ساحة المياه الترابية
وجهكَ الذي أبحث عنه
يتصنع الموت، يدخل الزمن الحجريَّ كملك مثقلٍ بالجليد

ماذا نحب إلا ما يكره
ماذا نرى إلا ما ينطفئ
ماذا نحيا إلا ما يموت!

آه، يا شريكي ، يا قدوتي
كم أحب فيك انتظارك المهيب
ألف موكب من العتب يسمعون
نحيب الموت البارد
و رعيل من الظلال تاتي بالليل الأكثر نقاءً
ماذا يمكن أن يكون سوى انتصارك الأبدي
ضائعا بين الشجر و بين ضجيج الأصوات
وحيدا كماكَ في حظيرة الكواكب التائهة
بعيدٌ عنك الليل قريب إليك
وانظر ،ها أنت من يموت!

ماذا نحب إلا ما يكره
ماذا نرى إلا ما ينطفئ
ماذا نحيا إلا ما يموت!

أيتها النافذة الصحرء
أحببت فيك عذوبة هذا الصبح المكفهر
أحببت فيك هذا الضوء الجديد
وهذا السقوط الأعمى
كان لدي القليل من الوقت لأستوعب
سيلان الفجر فيكِ
كان لدي الكثير من السهر ليعرفني
الغائبان اللذان يخنقان أُوار الليل

آه يا شريكي
لقد كرهت الليل مرة أخرى
كرهت أناشيد البوم والظلام
وياللظلام يالموت الظلام
يكشف وجهك النائي الذي أبحث
فأغيب في حلق العصفور
وأنظر ، ها أنا من يموت!

هشيم!

اغسطس 6, 2009 بواسطة iyos

 

 

أشباه غرقى ، عاشقين جدا
في جيب القلب ندور في فلك الاشياء الفذة
يالغريب الحبيب
يالحبيب الغريب
فمك صندوق موسيقى
والنوم عدو العاشق

لا أريد الحديث عما قد نصبح عليه بعد أسبوع واحد من الآن، الآتي لا يهم أبدا بعد
أن نتوقف تلقائيا عن النبض الحثيث ، و نتشيأ فُجَاءً صخرتين عظيمتين تمارسان الجفاء الطويل الطويل . لا تعطني صورتا أعطني صوتا أو كمانا يتيم ، لا تهبني حلما هبني فكرة تحز الحلم أكثر ، لا أريد سارية خضراء ولا قطاراً من الأماني البائدة بل أريد بدل القلب قلبا ، أريد بدل الوقت وقتا مقتطعا لأعيدك في ذاكرتي كلما أحسست بعمق الفراغ الذي نسيته بداخلي . 
أريد تشكيل العالم على هواي ، أن أسجل اكتفاء كاملا عن كل شيء أحببته قبلك و أن أهب شجر ذاكرتي لأقرب بستاني على أن يزرع وجهك بدلها !
غادرتني كل رغباتي البشرية البسيطة : النوم ، الجوع ، التعب .. لم يتبقى لي سوى رغبة البقاء معك و التحديق الطويل لعينيك .
سمني ما تشاء فكل الأسماء التي تنبع من فمك يمكنها أن تصبح إسمي ، و شيئني كما تود فأنا صلصال ساخن لم يهبه الله شكلا كاملا ،انتظترك طويلا  لتمنح قلبي شكلا أعرفه لحظة أنظر وجهي بالمرآة.

أحمد!

يوليو 28, 2009 بواسطة iyos

 

 

3375194239_150544f352

لعّل أول ما يتبادر لذهني حين أقول أحمد قلم الباركر الفضي الذي أهداه أبي وهو في سن العاشرة ، هذا الولد قوي الوشيجة وفائق الصبر لا المكان يعيقه ولا الزمن ينسيه .
بدأ كل شيء سنة 1990 حين صعدنا بيت الشجرة الخشبي الذي قضى أبي زهاء شهر وهو يعده لنا ولم ينقصنا الخيال الواسع في تسميته أحيانا بالسفينة و أخرى بالمكوك، كما لم ينقصنا الجهد في نقل أغلب كنوزنا الصغيرة إليه .كالعادة بدا أحمد أكثرنا دراية و أشدنا حزما و قوة وهذا ما هيئه دونا عنا أن يصبح الـ big boss الذي يأمر وينهر و يصرخ و يضرب و يمنع و يعطي ولولا سذاجة الفكرة والسن لكنا عبدناه وقتها دون أن نشعر بالخزي الذي يجتاحني الآن كلما تذكرت أنه أجبرني مرارا على القيام بما لا يستطيعه هو فعلا ، كأن يحشو فمي الصغير بديدان الأرض و عيناي تغرق في دمعها وانا اشعر بتلك الكائنات المقززة تنزلق لمعدتي و لا أعترض إطلاقا لأثبت في محاولاتي التي لا تنتهي و تحديات أحمد التي يفرضها علينا أنني أستحق البقاء في السفينة المكوك و أني بنباهاتي أكون أفضل من صبي أحمق . ، مرَّ العام سريعا و هو لا يستثني جهدا في تعذيبنا ، حين استقام الصيف و أصبح الحر يأكل من جثثنا الباهتة حركتها و يقظتها ، بدأنا نمل من تذمر أحمد ودكتاتوريته وهكذا بلا مسبق إنذارات بدأنا ثورتنا ولملمنا كنوزنا الصغيرة من البيت الشجرة و هجرنا المكان وهو يحدق لنا عجِبا و في عينيه نظرة ملكٍ مخلوع

عيناها !

يوليو 27, 2009 بواسطة iyos
La_femme_a_la_fleur_-_HST_-_100x73
 
 
 
بائعة الياسمين في مكانها ذاته تتكئ حوض الياسمين و قد علتْ وجهها سمحة الكون بأكمله ، امتد ثوبها يداعب وجه الأرض ود لو أنهُ وجهه ، كلما انسلَ من الممر الشجري نحوها، شخصت عيناها في وجهه و اعترته رجفة الموت و هو يجرُّ قدمه من نظرةٍ تسع الشجر. سأل صاحب المبنى عنها محاولا إخفاء ولهه عرضا والشوق يتقافز من عينه ، بينما يردُّ الآخر مقتضبا كما لو أنه يقتل شوقه عنوة ،
صباحْ الأحد و هو يشدُّ ربطة العنق كأن يأملُّ ألا تجرهُ قدماه نحو المنتزه ، و دونما يدري كيف وجد نفسه في الممر الشجري يطفو نحو حوض الياسمين مطيلا الوقوف قبالتها وهي على ذات النظرة فيما يكاد قلبه أن يسقط منه . مَرَّر ابتسامة صغيرة لها و بقيَ قرابة العشر دقائق ينتظر أن تمرر له مثلها فيما لا زالت على ذات النظرة تغلفُ وجههُ ، لعلكَ تعجب منه حين وضع يده في جيب سترته وهو يلعب بحاجبيه ذات اليمنة واليسار وهي على ذات النظرة لا تبرح أفقَ عينيه ولا يعلو وجهها سوى سمحة الكون بأكمله . كان يوشك أن يتبخر من الحرج لحظة مرت إيفا زوجة صاحب المبنى صوتها يسبق جثتها العريضة :’جارنا العزيز ، هذا يوم جميلٌ للنزهة ‘ تلتفت نحو حوض الياسمين : فيولا أنت مشرقة كالعادة يا صغيرتي !يفكر ، فيولا اسم جميل ، لا يصلح إلا لعينان كهذ،ه بينما تمد هي يدها لحوض الياسمين تصنع باقةً كبيرةً ما تزال على ذات النظرة تغلف وجهه و السيدة الضخمة تفتح حقيبتها تخرج ‘الفكة ‘ وتمدها في الهواء ويد فيولا تحاول أن تجدَ الطريق لها وهي على ذات النظرة. يفكر عيناها زمردان ، عيناها حجر كوني يسع الصحراء و يرحل!

شرقَ غرب

يوليو 13, 2009 بواسطة iyos

 

tyz

 

ماذا لك أن تكون الآن
غير عينٍ للقمر تعبر المحيط
وإناءٍ من الأفكار تغسل المخيلة
شرق شرق ، غربَ غرب
شمسٌ على با ب الكون  تحيِّ المجرة
أمام قافلة من الغجر.
شرقَ شرق غرب غرب
شرق
شررر…ق
غرب
غررررر..ب
قاربٌ من الحظ
نردٌ على رقعة الوجود
شاعر ، على صيف الوجوه يهاجر
شرق ، غرب، شرق ، غرب

أيها الشوق أمتني

يوليو 10, 2009 بواسطة iyos

 

beaute_volee3

 

اكتملت الصورة
شجرٌ ينبت رجلين
غيم يتلون
حقل من السنابل ودت لو أنها ريحان
ورقٌ يحمل بدل الشِعر عينين
بنت على صدر البستان تقلدُّ زهرةً
و دزينة سهرِ أخضرَ لا تُذبله ظلمة
.
.

أيها الشوق أمَتَّني!

 

 

 

 

سقف الذاكرة

يونيو 12, 2009 بواسطة iyos

coursToujours

1

يشعلُ سيجارهُ الفاخر ، ينفثُ للأعلى ضبابه و يغوص في لا شيء ..!
السنينُ التي ارتسمت فوق جبينهِ ليستْ دعوةً عاجلة للموت ، وحدتهُ القاتلة أيضا لن يعدَّها المارقون عليهِ انتحارا بطيئا.
يتدحرج كل يومٍ من سقف ذاكرتهِ  حين تحضر الممرضة وفي يدهاَ مطفئةً لسيجاره وحبةً لقتلِ ماضيه : عليكَ أن تتوقف عن معارضةِ الأنظمة بالدار ،، تمسكُهُ كما كومةِ لحم و تلقيهِ في غرفتهِ السجن . يتمددُ  كـ لقيطٍ على الصوفا المتآكلة يشعرُ أنهُ جرذٌ منبوذ ، يتدلى حبلُ ذاكرته مجدداً و يرفعهُ للسقف..!

-بهدوء يا علي ..! عليكَ أن تمسكَ الزناد  وتضغط وأنتَ مرتخٍ تماما
-يسهلُ عليكَ قولُ ذلكْ
-يا بني الأمر بسيط ،، الصيد كتدخين سيجار كوبي فاخر ،، يحتاجُ أن تفرغَ حواسكَ كلها له
-أخبرني..!
- تكلمنا بالموضوع قبلا..!
- لا أقبل بأن أكون مشاركا رمزيا بالأمر يا أبي
-منذ رحيلنا من إيران زاد فضولكَ و تضاعف عقوقك يا علي
-لستُ عاقا يا أبي أنا فقط أرفض أن أعزي رحيلنا من إيران إلى أن دراستي تتطلبُ ذلك، لا أريدُ أن أكون شماعة بائسة لـ تعليق أعذاركَ وأعذار أمي، على ذكرِ أمي إنها تبكي كل يومٍ بالحمامْ تحسبُ أنَّ صوتها لا يسافر إلى أذني، تحسبُ أني بلا أعين حتى أرى خيبتها ..!
-أنت حقا تعطي الموضوع حجما أكبر مما هو عليه
-هلْ ستقول أن زيارة النقيب جودتْ كانت مصادفةً أيضا ، لم يمر على خروجه من البيت -آه البيت- ثوانٍ حتى أطلقت صفير المغادرة، في اليوم التالي كنا هنا ، لم أرد حينها أن أجعل من سؤالي غصةً في حلقكْ ، مرتْ الآن سنتين يا أبي العزيز ولمْ أعدْ ساذجا لهذا الحد .عليكَ أن تخبرني..!
-لم ألحظْ أنّكَ تكبرُ بسرعة ، لم ألحظ أيضا أنكَ ثاقبُ البصيرة يا بني ، (ينحني رأسهُ في شرود) سوف أخبركَ أيها الرجل قريبا
عليكَ أن لا تستعجل
-متى ..متى؟؟
-سنبرمُ اتفاقا، عليكَ أن لا تسألني خلال الثلاث الشهور الآتية بالمقابل سوف أخبركَ حين تنقضي.
-صبرتُ سنتينِ طويلتين لن تكون الثلاثُ شهور الآتية  أصعب مما مرْ
-ولدٌ طيب

يُفتحُ بابُ الغرفة السجن ، ويسقطُ السيد  صفوت من سقفهِ القديم ، صوتُ الممرضةِ مرةً أخرى : هذا عشائك عليكَ أن تتناوله قبل العاشرة ، تعرفُ مسبقا أني سـ احمل الطبقَ حتى لو كان هذا عشائك المئة الذي لا تتناوله …!يغلقُ البابُ خلفها ، لا زال صوتها يطن في أذنه يمدُ يده للخبز، يقضمُ قضمةً أولى ـ ثانية و ثالثة ..يتدلى الحبل مجددا ويمدُّ يده
-صفوت يا عزيزي ساعدني علي على وشك الحضور والعشاء لم يجهز بعد
-ثريا يا ملاكي هوني عليكِ أنهُ ابنكِ منذ متى تعاملينه كضيف
-ليس ضيفا عاديا يا أبا علي إنه طفلي الواحد إنه فرحة عمرٍ بـ أكمله ، لمْ أكن موافقةً على رحلتهِ تلكَ إلى الغابة لكنهُ كان متحمسا ، نسيتُ تماما خوفي حينها و وافقتُ ، طفلي يكبر يا صفوت لم يعدْ عصفوري الصغير الذي أقفل عليه قفص صدري باحكام
-أتعلمين أراكِ وأشعر أني أراكِ كلَّ مرة لأول مرة ، أحمدُ الربَّ أنكِ هنا ، أحمدهُ أن صدركِ ملاذٌ لنا جميعا
-لا تأخذني في حديث شاغف فـ أضيع الآن بين شفتيكَ ، ساعدني يا صفوتْ ولندعْ هذا الحديثَ حين يحضرُ علي
-لا مناص من ذلكَ …! إذا حتى كلامي المعسول لا ينفع
ترتفع الضحكات ، أنوار البيت التي تتلألأ  تغمسها موجةٌ دفئ 
-صفوتْ ، الباب..!
-حسنا حسنا تأخرتَ ياعلي..! عفواً  ظننتُ أنكَ ابني
-سيد صفوت خيراني ..؟
- أجلْ ..هل من خطب؟
- عليكَ أن تتمالكَ سيدي ،، وقع حادثٌ في الشارع ِ المجوار وكانَ ابنكَ أحدُ المصابين
- علي ابني صفوت ماذا يقول ؟ علي ابني مصاب؟
- اهدئي ثريا،، أين هو الآن؟
- في المستشفى الرئيسي ..! كُلِّفتُ باخباركم ، أتمنى أن يتعافى سريعاً

الضوء الكثيف الذي ثقب مقلتهْ ، جعلهُ يعودُ للصوفا المهترئة للغرفة السجن لصوت الممرضة : أخبرتُكَ أني سـ آخذه حتى وإن لم تأكل ، تمسكهُ  من ياقةِ قميصه كمتشرد تدعُّهُ على السرير : نمْ..!  الطنين يركضُ لأذنيه و الحبلُ مجددا ينقذه

-علي عليكَ أن تأكلَ جيدًا فـ أنت مصابٌ يا صغيري
-لا تقلقي ثريا إبنكِ قويٌ وصلب
-أتعلمُ أبي لم أرد أن أخلف وعدي
-لا تقلْ ذلكَ علي ،، أتعلمْ سوف تتزوج إيرانيةً جميلة  ترزق بأطفال كثر سوف تشعرني بـ اني عجوزٌ فاشل ثمَّ حين يريد الله سـ اموتُ على كتفكَ وصدر ثريا
-لا تقل ذلكَ صفوت ، ليس الأمر ممتعا البتة

يغمض جفنيهِ أخيراً ويستسلمُ لـ النعاس..!

2

الزمنُ قنينةٌ من نسيانْ، لكنها لا تجدُ شفاهَ العجوزِ ولا حلقه،،،
هاهو اليومَ أيضًا يوقظُ الشمس باكراً، يحتسي وحدتهُ الطويلة و ينتظرُ سقفهُ القديمَ أن يوافيهِ على طاولةٍ بباحةِ الدار،
يتحسسُ فمهُ كأنهُ يمسكُ سيجاراً ، ويداعبُ الطاولة كـ أنها فنجان قهوة

- الفجرُ الذي يأخذكَ من سريرنا كلَّ يومْ ..!
-ثريا ألم تتجاوزي الأمر بعد؟
-ماذا؟ حبكَ للفجر أم غيرتي المفرطة
-كلاهما ، لا معنى له
-هذا الفجر الذي يأخذكَ كلَّ يوم ، اشبه بسرداب قلبكْ ، متى أبصرُ النور يا صفوت؟
-أكره هذه النبرة
-تركنا إيران ، تركتنا أحبائنا و أصدقائنا، تركنا الماضي ، تركنا السعادة، ماذا علينا أن نتركَ أيضا؟
-ثريا أنتِ تلومينني على كل شيءْ!
-من ألوم إذا، علي تركَ المنزلْ ويقيمُ مع رفاقهْ ، أنتَ مأخوذٌ بـ الفجر ، وأنا وحدي أتساءلُ عما قد يحدثْ وما دْ  تسلبهُ الحياةُ مني في اية لحظة ، ألا تعي أننا بتنا مشردين ، لا يغرنكَّ هذا المنزل الريفي ولا تلكَ السيارة الجديدة التي تفَّاخرُ بها أمام رمزي والباقين ، أنت وحيد مثلي يا صفوت عليكَ أن تقرَّ بذلك .!
-علي سيعود أعدكِ بهذا
-أنتَ لا تسمعني حتى ، أحاولُ أن أُفيقكَ من عظمتكَ يا صفوتْ أنت الآن في لندن لست في طهران ، أنت تستنفذ ذاتكَ و تستنفذنا معكْ،،

يحملُ معطفهُ الممزق ويراقصُ ظلّهُ للغرفة ، الابتساماتُ  توزعْ  لعينيه وهوأشبه ببرميلٍ من حزن لا شيء  يخترقه ،

-اسمع هذا يا علي ، أمكَ تخاف من الليل، تقسمُ لي أنهُ يتنفس، !
-كفَّ عن اختلاقاتكَ ،
-لا أختلق ذلكْ ،
-ألمْ تشتاق للبيت ياعلي، يا بني المنزلُ يضجُ بالضجر، عدْ أوقدْ الفرحَ بقلبي
-لن يدوم الأمر ، سوف تتعودان غيابي
-الهمُ يسكُنُ جسدي ياعلي ، وغيابكَ بحرٌ من بكاء ،
-لستُ مجبراً أن أكونَ مثاليا في كل شيء يا أمي، علمني أبي أن لا أهميةَ لذلكَ ، وأن الضعيف فقط من يتشبثُ بوعده..!

صوتُ الباب ، الممرضة: الدواء،  الطنين مجدداً ، يبتلعٌ وحشتهُ و الحبة ، يستلقي .ويبيعُ رأسهُ للنوم..

3

جرس الهاتف يدق ، كقلبه الذي يدق ، لكنه ماعاد يدق ، كجرس الهاتف الذي ما عاد ليدق..!
الهاتف الذي لا زال بقلبه صوتٌ قديم ما يلبثُ أن يعاود خفقه، ولا أحد بالجوار يسمع الرنين.

وهأنت يا رفيقة الدرب تأتين كـ بشارة -ثرياَ – يا أغنية كفيفة تصعدُ فوهةَ رأسي وتستقر . الوقت يمر والهاتف لا زال يرن ، لما يقطعون لسانه..! سحقا لمن اخترع بيت العاجزين هذا، فلا عاجز منهم سيمد يده ليخنقَ الهاتف
ويدعه صريعا على طاولة الانتظار..!

تنزلق يده على شرشفٍ أصفر ، ويشده لأعلى وجهه  ويبدأ السقف بالتراخي على جفنيه.!
-مالفرق الآن بينك وبين الاقطاعيين هناك ، أنت تحاول أن تبيع وتشتري كلَّ شيء ، لكنكَ تنسى هذا الظل في داخلك
- علي ،  لم تكُ قط عنيفا اتجاهي ، كنت مثلكَ الأعلى
هذا المثل الذي يضمحلُّ ببطء ويجعل العار  معطفا يكسو خيبتك ، علي يرى في عيوني انكساري ، ويستمتع بـ اذلالي ، هاأنت تكسر بيدك القدوة و تدع الحاجز  الفضي الذي كنت تبنيه بينك وبينها ينهار ، ستذهب للبحر وترمي في صدره صراخك . تنتظره أن يكسر على قدمكَ موجه ، و يلعنكَ عتى تغيب في الرمل
-ذهب علي
-كان عليا ، تركَ ابني على الحائط معلقا ، ورحل مع خيبتي
-ماذا؟
- لاشيء يا ثريا ، سنعود لـ إيران
-ماذا؟ هكذا ببساطة
-هكذا ببساطة..!
الطريق للمطار ، صامتٌ كـ مدينةٍ أحرقتها نيران الحرب ، لازال في رأسي دووي علي ، لا زال في قلبي بكائكِ يتكاثر ،
نظرتُ للبيت هاهو الآن يأخذ جزءا مني ويبتلعه ، يصنع بينَ المجيء والذهاب هوةً لم يتسعها سواي ، لكنها تعلمُ أني أتلاشى
وتجاريني إلى أن أنتهي 
- ألن نودع علي
- لن نرحل..!
وأعودُ للبيت كملكٍ مهزوم ، أعود و قد خانتني شجاعة الفارس ، أعودُ لأسقي الظل يا علي ، وأصبح إقطاعيا جشعا بلا قلب..!